حراك بلا حدود

قطار الحرية قد غادر المحطة

رسالة مؤثرة من طرف معتقل الرأي ابراهيم لعلامي من السجن 

المصدر: المحامي زكرياء بلحرش 

السبت 27 ديسمير 2025

 ” كيف أصبحت أنا ”

من أنا ؟ سيئا او طيبا ، كيف أصبحت أنا ، فتحت أعيني على مشاهد الدمار و دوي الانفجار لم استمتع بالرسوم المتحركة كما يفعل الصغار ، بل كنت اشاهد نشرة الاخبار مع الكبار , 

عيون دامعة ، بطون جائعة ، اقدام حافية ، ثياب بالية ، اول أعوام الحياة عشرية دامية ، حتى دخلنا المدرسة ، و عند التحية العلم سمعت نشيدا بالقسم ، ان المستعمر قد هزم و نحن عقدنا العزم ان تحيا بلا الم ، بالروح و بالدم ، حرنا الوطن الام 

كنت أعيش فرحتي و منتهى سعادتي كنت تلميذا نشطا مجتهدا و مشاركا ، ارفع اصبعي دائما ، انستي ، أنستي أين نقل المدرسة و الغاز في المدفأة. الست انت من قلتي بأن النقل سياتي و يأخذني من بيتي و ان الاكل و الدفيء تكفله لي دولتي ، معذرة يا سيدتي لما ثقل محفظتي 

كان اساتذتي يهتمون بدراستي ، لقد رأوا مستقبلي و بشروا والدتي ، ان ابنك يا اختاه مجتهد و فطن لكنه مشاغب ، حينما نضربه يصيح فينا غاضب ، يسأل اثناء الدرس و قبل إتمام النص ، يسأل من السبب و من اشعل اللهب و من سرق و من نهب ، من صدق و من كذب و يسأل بالفطرة عن ابطال الثورة و يسأل عن الخونة و عمره 11 سنة ، حذاري يا اختاه امره ليس هينا . 

انتقلت من الابتدائية الى المتوسطة بشهادة تقديرية و كنت في العطل الصيفية ، أقيم في المدرسة القرآنية ، كانت عائلتي حرصة على تعلم القران و الشرائع الدينية ، تعلمت في القران سيرة العدنان ، ان الساكت عن الحق شيطان  و النهي عن المنكر واجب باليد و اللسان و بالقلب ، فذاك اضعف الايمان و يجب ان نقف مع المظلوم مهما كان و اعظم جهاد في سبيل الله كلمة حق عند ظلم سلطان ، لم اكن اعلم ان لهذا العلم امتحان تخبأه لي الأيام ، و ان ما تعلمته ليس بالمجان , 

تعلمت دروس لا تحصى كانت أشد عليا و أقصى و الأستاذ الأول كان لصا ، في ليلة عادية و انا عائد الى البيت ، رأيت شخصا يكسر قفل محل الادوية لم يكن متنكر و ملامح وجهه كانت بادية للنظر ، فلما رأني اختفى في لمح البصر و في الصباح صعقت بالخبر لما سمعت ان فريد و سعيد باتو في المخفر لانهم حاولوا سرقة المتجر ، ذهبت مسرعا الى المخفر و سردت لهم الخبر ، اجابوني بدجر ، انهم تحت النظر ، وجدناهم عند المتجر ، هذا ما قلنا في المحضر و قد ارسلنا الخبر و النيابة من تقرر 

ذهبت الى مكتب النائب العام و طلبت مقابلته في امر عاجل و هام ، رويت له القصة بالتمام فأجابني نحن من وجهنا الاتهام و احلنا الملف الى محكمة الجنح و المحاكمة بعد أيام و الامر يعود لقاضي الجلسة ، هكذا يمشي النظام و شكرا على الاهتمام . 

خرجت من مكتب النائب العام الى مكتب الامام ، فهو من علمنا ان الظلم حرام ، قلت له يا شيخنا إني رأيت منكرا ، اخبرته بما جرى ، قلت ما الحل يا ترى ؟ قال و قد تصمر ، ووجهه تجمر ، ن ولي الامر أنهى عن المنكر و لا أقول الحق إذا كان مر ، و ان خالفت الامر تقطع عني الأجرة ، قلت أأمر الدولة أولى ام امر المولى ؟ 

خرجت و لا ادري الى أين ، فهمت المعنى الحقيقي لكلمة غدر الزمن ، و الله لا انه أمر محزن أن ترى شخصا بريئا في السجن يدفع ثمن ذنب لم يقترف ، قلت في نفسي كن او لا تكن .

يوم المحاكمة دخلت الى المحكمة بكل همة فقلت سيدي القاضي عندي شهادة مهمة تفيد هيئة المحكمة ، و قبل ان اتم كلامي صرخ القاضي في وجهي من انت لتقف امامي و توقف كلامي و تنكر اتهامي و تشك في اعواني ، قلت انا وطني و ضميري انبني منذ رأيت الحادثة لم يغلق لي جفني ، نظر الى النائب العام و تمتم بكلام لم يفهم ، ثم قال بتهجم إذا انت مستعد لتحمل عنهم التهم و تدخل مكانهم و تطلق سراحهم ، بكل رباطة جئش قلت نعم ، ظننته يقول ذلك لإخافتي لتغيير إفادتي و الكف عن تعنتي ، رفعت الجلسة و المداولة بعد حين .

البراءة للموقوفين و توقيف لعلامي شمس الدين ، دخلت السجن سنة و عمري 20 سنة ، طفل صغير أراد التغيير ، دخل غرفة عمليات لاستئصال ورم خطير ، لكن نسي التخدير ، نزعت الثوب الأبيض و لبست الثوب الأصفر ، كبرت انا و ذلك الطفل لم يكبر .

غضب أبي عند سماعه الخبر ، و مرضت أمي و لم تتقبل الامر ، مجتمع لا يرحم ، أقارب تتكلم ، في اول ليلة في السجن لم انم ، مر على ذهني شريط حياتي المؤلم ، تذكرت نشيد القسم و ان نحيا بلا الم ، تذكرت وعود الوهم ، تذكرت لما طردت من القسم لأنه لم يكن عندي قلم ، تذكرت أيام الكراء لما اخرجنا في الليلة الظلماء الى العراء ، تذكرت أيام بلا حذاء و أحيانا بلا غداء ، لا تستطيع ان تتكلم عن العناء و انت بعيد عن حياة الفقراء . 

صبرت على مر الأيام حتى مرت ، تألمت و تعلمت حتى جاء اليوم الذي خرجت ، هكذا صنعت و من هنا بدأت . 

خرجت من السجن الى الحياة المهنية ، تعلمت حرفة الخياطة ، و هي حرفة وراثية ، و كنت اقطن في أحد الاحياء الشعبية التي طغت فيه الآفات الاجتماعية ، من مخدرات و مهلوسات نتيجة لتدهور الأوضاع السياسية و الاقتصادية ، شباب ضحية غادر المقاعد الدراسية في الاطوار الابتدائية لضعف حالتهم المادية في بلاد تنعم فيه الثروات الباطنية و من أغنى الدول الافريقية .

اكتست القيم الأخلاقية ، اصبحنا نعيش في مجتمع يسمي الرشوة بالقهوة و الاعتداء على الضعفاء بالقوة و قذف الناس بالبهتان بالحرية ، رأيت الرجال تقهر و الشباب تهجر و الادمغة لم تعطى لهم أهمية ، علمت اننا نعيش مع فئة الانانية ، اذا لم يستطيعوا اغتيال شخص ، اغتالوا الشخصية ، شعرت بالمسؤولية ، اردت التغيير و لكن كيف و من أين البداية ؟ 

بدأت بطريقة فوضوية ، كنت اكتب على الجدران ابيات شعرية مناهضة للظلم و التهميش و المحسوبية و كنت اخرب قوائم المترشحين في المناسبات الانتخابية ، عدت الى المؤسسة العقابية بتهم التخريب و إهانة هيئة نظامية ، كانت الاحكام سخية ، بين عقوبات سالبة للحرية و غرامات مالية و اكراهات بدنية ، و تلك الأعوام كانت أشد ثراء من حيث التطورات السياسية في الساحة الوطنية و تلك الارهاصات أتت بالانتفاضة الشعبية ، تلك الثورة السلمية التي ابهرت العالم بطريقتها الحضارية ، حراك جاب كل ولايات الوطن الشرقية و الغربية ، الشمالية و الجنوبية ، بكل شرائح المجتمع و فئاته العمرية ، و دعما من أحرار الجالية الوطنية الذين كانوا سندا و قوة هناك من الدول الأوروبية ، و دعما من هيئة دفاع معتقلي الحرية ، الذين رابطوا في المحاكم و المجالس القضائية ، رغم اننا خرجنا بكل سلمية و عبرنا بطريقة حضارية .

رغم التضييق والتشويه و وصفنا بالهمجية و تحريض بعض البلطجية الذين يعشقون العبودية ، إلا اننا ثبتنا على مبادئنا و عزمنا على نيل الحرية ، ربما لا نصلح لبناء دولة حضارية بمقومات اقتصادية قوية لعدم كفاءتنا السياسية او مكانتنا الاجتماعية ، الا اننا نصلح لهدم جدار الظلم و اسقاط الممارسات الاستبدادية . 

انا لا اروي لكم قصة خيالية او رواية درامية ، انها قصة حقيقية موثقة في ملفات الضبطية القضائية و اكتب هذه الاسطر و انا لازلت خلف القضبان الحديدية ، متهم بتهم المخدرات و الإشادة بالأعمال الإرهابية ، و الإساءة الى رئيس الجمهورية و العديد من الملفات المفتوحة في الكثير من المجالس القضائية و للحديث بقية